الخروج من الفعل ورد الفعل إلى استراتيجيه تعتمد على إعادة بناء ليبيا

بعد محاولات عديدة من دول العالم والمنظمات الدولية والإقليمية خلال سنوات الماضية، ومن بين الفعل ورد الفعل الأقطاب السياسية المتنازعة وفشلها من إخراج ليبيا من دائرة الأزمات.

إلا أن الولايات المتحدة الأمريكية تداركت الأمر من الوضع الخطير التي تمر بها ليبيا ووضع إستراتيجية تعتمد على المدنية لإعادة بناء ليبيا حسب تصورها في منطقة الشرق الأوسط.

ومن فترة الصدع حول الأزمة الليبية والتأويلات والتفسيرات وما تسوقنه ما تسوقه أجهزة غربية وعربية مختلفة من دعاية اهتماماتهم حول الشأن الليبي الداخلي، تبقى الحقيقية ثابتة في التعاطي مع قضية الإقصاء والتهميش وهضم الحقوق والاضطهاد والفساد المالي والإداري، كما هي الحالة تزال عليها منذ تغير النظام الجماهيرية الليبية.

إن بشاعة الحالة الليبية تتجسد في إشاعة الفوضى وتجويع الشعب الليبي ومحاولة إسقاط ليبيا في المزيد من الأزمات بسياسات عدم التغير والإصلاح التي استخدمها الكثير من الذين يتصدرون مقاعد السلطات التنفيذية والتشريعية في ليبيا.

ولأن لكل فقل رد فعل، مساوي له في المقدار ومعاكس له في الاتجاه، نرى اليوم أن الولايات المتحدة الأمريكية تركز على إستراتجية الأمن والنظام، ليس لليبيا في حد ذاتها بل في دول عديدة في مختلف العالم ذات أهمية قصوى في السياسة الخارجية ومصالحها الحيوية.

ومع ذالك فأن الولايات المتحدة كانت تنتظر الحلول للقضية الليبية من دول منطقة الشرق الوسط والمنظمات الأوربية والعربية ودول الجوار لليبيا إلى مناطق الساحل في شمال إفريقيا، فلم تستطيع تلك الدول أن تقدم حلول ترضي الشأن الليبي مع الأطراف المتنازعة على السلطة والنفوذ.

لكن حركة الحياة السياسية في ليبيا تمر ببطء شديد جدا، واحد من أساسها النظام السياسي ككائن حي يعمل بسلوكه وأفعاله على التعامل مع الأزمة الداخلية الخانقة، والذي أصبح في ليبيا فعل واقع ومؤثر ليس على ليبيا فقط بل على العالم اجمع.

ليبيا تعتبر مصدرا رئيسيا للمقاتلين الأجانب والإرهابيين حيث وصل عدد المجاهدين إلى الآلاف مما ساهم في عدم الاستقرار في معظم البلاد خصوصا في المنطقة الغربية وجنوب ليبيا التي تساعد على الهجرة الغير شرعية من ليبيا إلى أوروبا عبر أراضيها الشاسعة المترامية الأطراف.

وبعد سقوط والإطاحة بنظام معمر القذافي في عام 2011، ليبيا لم تتمكن من استعادت نظام الحكم فيها عبر الاستفتاء على الدستور الدائم حيث أن كل الحكومات المتواجدة على الساحة السياسية الليبية لا تستمد شرعيتها من الدستور الليبي بل من الاتفاق السياسي الليبية المبرم في الدولة المغربية.

إن نتاج رد الفعل سياسيا كان عند العديد من دول العالم ناجما من ابتعاد الولايات المتحدة الأمريكية من القضية الليبية فضلا عن شراكة أوروبا والدول العربية المجاوبة لليبيا والمنظمة الدولية للأمم المتحدة.

واليوم أصبحت ليبيا تهديدا غير مباشر لحلفاء أمريكيا في أوروبا وشركائها الأمنيين في الشرق الأوسط الكبير وعدم استقرار ليبيا المستمر يؤدي بالتالي إلى تفاق هذا التهديد إلى مصالح أمريكيا منذ الإطاحة بالنظام السابق.

اليوم وبعد أكثر من ثمان سنوات على عدم استقرار ليبيا وعلى إسقاط دكتاتورية النظام السابق، بعد ما أجنح الشعب الليبي على تقبل نظام يعمل على تثبيت الديموغرافية الليبية التي تشوهه في النظام السابق في وجود الأقليات الليبية، فأن عمليات التغير مزال مستمر في هدر حقوقها الوطنية.

فإن الجهود في إعادة تنشيط حقوق الإنسان في ليبيا مستمرة لتمكن المجتمع الليبي أن يساعد على العودة في تثبيت كيانه في الشمال الإفريقي في إستراتيجية أوسع لمكافحة التطرف والعنيف الذي تواجهه الدولة الليبية.

إن الدولة الليبية عليها أن تعي خطورة ما يحدث ويحاك لها وان تدرك جيدا العلاقة بين الفعل ورد الفعل، وتعرف حقيقة الشعب الليبي لا يرتضي إلا أن يعيش حرا أبيا في دولة دستورية شرعية فيها التعددية الديمقراطية.

ولكن عندما يختفي القانون الأعلى للدولة الليبية الذي يمثل الدستورية الشرعية يتحول الصراع بين الأطراف الليبية إلي صراع أشخاص يتفاقم الأمر ويصبح الصراعات الشخصية هو الأسلوب المتبع في البلاد.

وان غالبية الصراعات المتواجدة على الساحة العربية اليوم تبدو إنها غير إيديولوجية في محتواها السياسي إلا أنها في الحقيقة الواقع صراعات شخصية تقع ضمن محور من يكون صاحب القرار السياسي في السلطة التنفيذية التي ليس لها أي شرعية دستورية .

وقبل التصديق على الانتخابات وعلى النتائج المحتملة من الانتخابات وقبول الجماعات السياسية في دوائر الدولة الليبية من السلطة التنفيذية والتشريعية الليبية اعتماد الدستور الدائم للدولة الليبية بمشاركة وهو الخطاب المتزن المسؤول على معالجة المشاكل وليس تأجيجها.

هكذا تحقق التغير والانتقال السلمي من مرحلة الثورة إلى مرحلة ما بعد الثورة والانتقال إلى الاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي في ليبيا ولا يعرض الأقاليم الليبية إلى التقسيم والرجوع إلى بليبيا على تاريخها التي تقوم بها الوحدة الوطنية الليبية.

الدول الغربية وخصوصا الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها في منطقة الشرق الأوسط الكبير بحاجة إلى إستراتيجية شاملة دائمة للتصدي لهذه المخاطر حتى بعد انتهاء المعركة الكبرى داخل الدولة الليبية من صراعات سلطة النفوذ والمال، ويمكن بل ينبغي النظر إلى سياسية ليبيا في هذا السياق الاستراتيجي الديمقراطي.

رغم المحاولات التي تقوم بها بعثة الأمم المتحدة بالتواصل مع الاتحاد الإفريقي من اتخاذ قرارات والمشاركة على فض النزاعات الداخلية في ليبيا والفوضى والمساعدة في التنمية على الأرض الليبية لم تكون في الاتجاهات الايجابية تستحق الدعم لهذه المبادرة من غسان سلامة الممثل الخاص لدولة الليبية.

يمكن من الولايات المتحدة الأمريكية أن لعب الدور الرئيسي في هذا الصدد وتغير المعادلة في منطقة الشرق الأوسط بالتدخل في مساعدة ليبيا والإشراف على آلية مكين المجتمعات الليبية المحلية وتقديم الحوافز للمليشيات وكذالك تغير الجهات الفاعلة لتحسين سلوكها السياسي الدستوري.

الكاتب:

رمزي حليم مفراكس

رجل أعمال – محلل سياسي واقتصادي ليبي

مقيم في الولايات المتحدة الأمريكية